سنة دون شمس ..September, 2004

لم أتصور إن حنيني إلى الوطن كان سيعيدني إليه بعد عام من الاغتراب، حينها لم تكن طموحاتي ونظرتي إلى المستقبل مثلما هي عليه الآن، رغبتي في التغيير والمغامرة وربما الهرب من واقع الحياة اليومي في مجتمع عربي خالص دفعني للهجرة دون تردد.
لم يشعرني ظلام تلك المدينة ليلا ونهارا بالدفئ، المدينة التي يتهافت عليها العرب من كل قطر على مدار السنة، والتي طالما تساءلت عن سبب إضاءة كل تلك الأنوار ليلا على الرغم من أن الحياة تكاد تختفي فيها بعد حلول الظلام.
لا أدري من أين كنت أحصل على التفاؤل والأمل كل صباح من دون شمس في الأفق، كنت أرتدي معطفي الأسود الطويل الذي بات في خزانتي منذ عودتي إلى الوطن، وأحمل مظلتي الوردية الفوشية التي كسرت الرياح احد أضلاعها والتي كنت أفضل أخذها على أخذ المظلة السوداء السليمة التي تركتها لي أمي عند زيارتها لي، ويدي الأخرى تحمل أوراق التصميم الكبيرة في حافظتها الكبيرة التي تلوح بها الرياح يمينا وشمالا في طريقي إلى الجامعة. طريقي الطويل الذي لا ينتهي، بعد عشر محطات في قطار الأنفاق آخذ رجلي وأمشي عشرون دقيقة، أنا ومظلتي وأوراقي، حتى نصل إلى مبنى الفنون، القسم الذي طالما حلمت الالتحاق به واكتشفت لاحقا إنني لا أنتمي إليه. لم يحرك أسلوب أستاذي الإيطالي الوسيم أي شيء في داخلي ولم أجد في نفسي أي نزعة فنية، لعلني اكتشفتها الآن بعد أربع سنوات من العودة.
ساعدني كثيرا طبخ خالتي الشهي وكوني جارتها على تخفيف حنيني للوطن، لن أنسى طالما حييت سهراتنا الجميلة وأكواب الشاي الغير منتهية والأحاديث والنكات والرقصات ومتابعتنا للقنوات الفضائية العربية حتى الساعات الأولى من الصباح، كنا نعلم إنها الساعة الثانية عشرة في كل منتصف ليل دون الالتفات إلى الساعة عندما يطفئ “هارودز” أنواره وتردد ابنة خالتي أغنيتها المعهودة “الساعة 12 نص الليل”.
اختلط جنوني بالتسوق مع جنون الأسواق هناك وأصبح السوق ملاذي الوحيد للفرار من غربتي، كنت احفظ كل بضاعة في كل متجر لدرجة أني أصبحت محللة أزياء، فما أن تمر أمامي فتاة تجول أزيائها في بالي: الوشاح “GAP”، المعطف ““ZARA، البنطلون “ “DIESEL والحذاء ““SKITCHERS. و لعل شغفي في التسوق كان من ابرز الصفات العربية التي برزت فيني هناك، ولا أنكر كم تطبعت بطباعهم الإنجليزية، كنت اذهب إلى المكتبات و اشتري الكتب، أقصد المقاهي وحدي برفقة كتابي، أحضر آخر الأفلام في السينما دون أن يهمني إن كنت وحدي أم لا.
لا أذكر كيف راودني قرار العودة، ولكن اذكر جيدا كم الاشتياق الذي لم تشبعه زياراتي. اذكر كيف استغليت موت جدي رحمه الله في وقت من اشد الأوقات صعوبة لي هناك، و عدت وكأني كنت أنتظر أي فرصة للعودة، كنت على وشك التخطيط للسفر إلى مونتريال لزيارة صديقة قديمة لي آنذاك، شاء القدر أن يبدل الأحداث ويأتي بي إلى الوطن.
ما إن قررت العدول عن قرار غربتي زادت بي لهفة العودة، بدأت اعد الأيام، تبدلت مشترياتي من كل شيء شتوي ثقيل داكن إلى ألوان الصيف، ألوان البحار والشمس والرمال.
لم يكن قرار العودة أمر سهل، أحسست حينها قيمة الترف الذي نعيشه في الخليج. غلبني شعور الرغبة بالاستقرار، الاستقرار الذي انتزعته الغربة مني فور وصولي. يذكرني وصولي بالسيدة العراقية العجوز التي استأجرت غرفة في شقتها، تلك السيدة التي تعاني وسواس النظافة، همها الأكبر كان تبديل الشر اشف وغسلها بعلبتين من الصابون في آن واحد. شعرها البني القصير و سلسلتها الذهبية الطويلة وشالها الأحمر الذي لا تستغني عنه كان يوحي بالفئة العمرية التي تنتمي إليها.  وعلى الرغم من قصر فترة بقائي معها إلا إني خرجت بتجربة جديدة كليا. أعجبت برفها الطويل الممتلئ بالكتب العربية، كانت تعطي دروسا في اللغة العربية للأجانب في بيتها، ويمكنني الجزم أنني لو أزورها قريبا سأجدها على نفس الحال، تفتح لي الباب وفي يدها فنجان القهوة مرتدية سترتها الصفراء وشالها الأحمر. شكلها كان يوحي بأصلها العربي، عكسي تماما، شعري الهادئ اللون وبشرتي البيضاء التي سمرتها شمس بلادي كانت تخفي هويتي العربية. وكم كنت أشعر بالإطراء حين كان يظن البعض أني أسبانية.              
أجبرتني غرفتي التي كان حجمها اصغر مني على العودة، أقنعتني جدران مبنى الفنون الغير مطلية على الانسحاب، قادتني حقيقة إنني الأصغر سنا في ذاك الفصل إلى الاستسلام وترسيخ مبدأ إن هذا العالم ليس عالمي. ذلك العالم الغريب، أكثر ما يذكرني به هي تلك الفتاة الجنوب افريقية التي رافقتني مرة للغداء وأجبرتني على المشي مسافة للوصول إلى مطعم يقدم الوجبة ب 1, 25  جنيه إسترليني بدلا عن المطعم القريب من الجامعة الذي يقدمها ب 1,75 جنيه. ولن أنسى فرحتها العارمة التي ملأت وجهها وكلمات الشكر التي عجزت عن التعبير عنها عندما دفعت لها ثمن الغداء. والفتاة الخليجية ذات الأم الروسية، بمعطفها ذو الريش وأحمر شفاها الأحمر، كم كانت تدهشني عندما تقدم لي العلكة والسجائر في نهار شهر رمضان وتتعذر بأنها مريضة.                    
ذاك العالم المجنون الذي طالما حلمت الوصول إليه، تركته لأعود لكياني الذي سافرت دونه و ودعته عند باب المطار. جمعت أغراضي الكثيرة ورحلت عن ذاك العالم، رحلت دون عودة. تركت مظلتي الوردية هناك، وتركت معها ذكريات البرد والظلام، وعدت إلى وطن الشمس والسلام
September, 2004

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s